عماد الدين خليل
31
المستشرقون والسيرة النبوية
للعالم أجمع نصيب فيها ، ولم يكن هناك غير إله واحد ، كذلك لا يكون هناك غير دين واحد يدعى إليه الناس كافّة » « 1 » . ولم يقف أرنولد وحده بمواجهة هذا الخطأ الواضح ؛ إنما هناك كولدزيهر ونولدكه وسخاو الذي يؤكد : « إن الرسالة الإلهية ليست مقصورة على العرب ، بل إن إرادة اللّه تشمل جميع المخلوقات ، ومعنى ذلك خضوع الإنسانية كلّها خضوعا مطلقا . وقد كان لمحمد بوصفه رسولا من اللّه حق المطالبة بهذه الطاعة ، وقد كان عليه أن يطالب بها ، وهذا ما ظهر في أوّل الأمر جزآ لا ينفصل من جملة ما أراد تحقيقه من مبادئ » « 2 » . ويرفض آرنولد الخطأ الآخر الذي يرى : « أن محمدا قد تحوّل إلى القوة بمجرّد أن واتته الظروف ، وهو رأي قد صرّح به نقلا عن فلهاوزن بعض الباحثين ، ولا سيّما ميور لدى حديثه عن غزوة بني قريظة » « 3 » . إلّا أن آرنولد لم ينج من الوقوع في الخطأ نفسه عندما يقول : « كانت رغبة محمد ترمي إلى تأسيس دين جديد ، وقد نجح في هذا السبيل ولكنه في الوقت نفسه أقام نظاما سياسيا له صفة جديدة متميزة تميزا تاما ، وكانت رغبته بادئ الأمر مقصورة على توجيه بني وطنه إلى الاعتقاد بوحدانية اللّه » « 4 » . إن فهم السيرة لا يمكن أن يتمّ إلّا وفق نظرة شموليّة تدرس حركة الإسلام كخطوات في برنامج شامل مرسوم في علم اللّه ، ومحدد في قرآنه ، وأن الرسول صلى اللّه عليه وسلم لم يكن سوى منفّذ لهذا البرنامج بأسلوب يعتمد على قدراته وأخلاقيّته وذكائه وإمكاناته الفذّة في التخطيط والتنفيذ . وبالرغم من أنّ القرآن الكريم نزل منجّما ، وراحت آياته تنزل على مكث لكي تلامس
--> ( 1 ) المرجع السابق ، ص 48 . ( 2 ) المرجع السابق نفسه ، هامش 1 ص 48 . ( 3 ) المرجع السابق نفسه ، هامش 1 ص 54 . ( 4 ) المرجع السابق نفسه ، هامش 2 ص 52 .